

جاسم الأنصاري
جمع التمثيل والكتابة والإخراج، وأسهم في تأسيس المسرح الجامعي وصناعة أعمال تحمل رسالة فنية هادفة.
النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 324–329
جاسم أحمد الأنصاري، ممثل وكاتب ومخرج قطري.
النشأة والطفولة
ولد في أسرة قطرية تقليدية كبيرة ميسورة الحال متكونة من اثني عشر أخًا وأخت هو ثامنهم، رباهم والدهم الذي حرص على توفير جميع احتياجاتهم على الحب والإيثار وشكل وعيهم منذ مرحلة مبكرة، وفتح أعينهم على جمال الحياة من خلال توفير سبل الراحة والرفاهية ومنابع الثقافة، ونمى لديهم شغف الاطلاع والابتكار والاكتشاف، حيث وفر لهم قاعة سينما صغيرة داخل البيت كانت بوابته على العالم، تعرف من خلالها على بطله الحقيقي في الحياة الممثل شارلي شابلن، ما جعله يعشق السينما الصامتة التي تقول الكثير.
ومنذ نعومة أظفاره تميز بقدرة عالية على مواجهة الجمهور والتحدث بفضل شخصيته المميزة وحسه الاجتماعي، ونمى هذه المهارات بتنقله بين مجالات وفنون متنوعة ليرسي في نهاية المطاف على ميناء أب الفنون الذي وقع في عشقه، كما بادلته خشبة المسرح الحب فسطع نجمه في التمثيل المسرحي منذ سن مبكرة، وقد وجد في المدرسة حاضنة وبيئة خصبة لتطوير وصقل موهبته الفنية حيث كان للمسرح المدرسي هيبة ووقار وفرض قواعد صارمة على أبنائه، وهو ما جعل ملامح الشخصية الفنية تنعكس على الالتزام ومجموعة من القيم والمبادئ التي رافقته على مدار مسيرته في التمثيل، فلم يكن المسرح المدرسي مجرد مرحلة من مسيرته بل هي منبع للقيم الفنية ومنظوره للفن البعيد عن الابتذال والتهريج والإسفاف، وهو ما انعكس على أسلوبه في العمل واختياراته وقراراته.
المسار التعليمي
في آخر محطات تعليمه الثانوي اختار أن يغير توجهه من العلمي إلى الأدبي، وهو أثار استغراب وصدمة المحيطين به، لكن في تلك المرحلة كان واعيًا لأهمية هذا القرار وكان توجهه واضحًا، فقد حدد بالفعل مساره ليلتحق بعد حصوله على الثانوية العامة بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت، وقد أسهمت الدراسة الأكاديمية في صقل الموهبة، فتعلم لدى مجموعة من الأسماء الكبيرة والعريقة في المسرح من بينهم هاني مطاوع وأحمد عبد الحليم وكمال عيد.
نجاحات وإنجازات
أنتج على مدار مسيرته العديد من الأعمال الفنية سواء للأطفال أو الكبار وأسهم في مسرحيات كثيرة أثناء فترة الحصار على دولة قطر وأشرف على تأسيس المسرح الجامعي برفقة فريق عمل في وزارة الثقافة ومركز شؤون المسرح الذي يعتبره المنعطف الأهم في مسيرته والإرث الذي خلده للأجيال القادمة والمساهمة الفعلية في الارتقاء بالمسرح في قطر، وقد تطلب هذا المشروع وقتًا كبيرًا منذ وضع الخطة الاستراتيجية والأهداف، وهو يعد المسرح الجامعي رافدًا مهما للحركة المسرحية ويسهم في استمرارية العمل الفني من خلال اكتشاف ودعم المواهب في المؤسسات التعليمية التي تعد بيئة خصبة لزراعة بذرة الممثل والكاتب والمبدع، وهو المستقبل لأن هؤلاء الممثلين يتميزون بالوعي والثقافة العالية ويؤمنون بأهمية رسالة وأهداف الفن لتكون الجامعة حاضنة للفنون، وبالتالي تزدهر الحركة الفنية في الدولة بفضل مشاركة صفوة المجتمع في الحركة المسرحية.
وما كان هذا المشروع ليرى النور لولا دعم الوزارة على رأسهم سعادة السيد صلاح بن غانم العلي وزير الثقافة السابق ومركز شؤون المسرح.
جاسم الإنسان والأب
قبل أن يكون فنانًا فهو إنسان فهو الابن البار والزوج الصالح والإنسان الكريم والمتفهم والمتسامح والأب الحنون، وأهم إنجازاته في الحياة هو الدفع بأبنائه للتفوق الدراسي والعلمي، فقد تخرج ثلاثة من أبنائه من جامعات أمريكية بتفوق في تخصصات اختاروها بأنفسهم، ابنته حاصلة على ماجستير في الإغاثة في إدارة شؤون اللاجئين وهو من التخصصات النادرة، وابنه مخرج سينمائي، والثالث مبرمج كمبيوتر، وكلهم حصلوا على تقديرات ممتازة ويعتبرهم نسخة أفضل منه، كما تمكن من تكوين أسرة مستقرة تملؤها الفرحة والسعادة.
التحديات والصعوبات
بدأت الصعوبات في مسيرته مبكرًا حيث رفض والده دخوله مجال الفن، وهو ما جعله يخفي تخصصه إلى أن انفضح بيد الأقدار حيث إن دخول المجال الفني لا يكون سهلًا في المجتمعات التقليدية المحافظة على غرار المجتمع القطري الذي يتميز ببناء مجتمعي شديد الخصوصية، حيث كان ينظر للفن في فترة ما نظرة دونية وكونه مهنة ساقطة ولا تدخل إلا الرذيلة للمجتمع، لكن قوانين الدولة وتشجيعها غيرت هذه النظرة لا سيما من خلال الدور الذي أدته وسائل الإعلام الذي غير الصورة النمطية للفن والفنان، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة المتعلمين والمثقفين والدارسين في الخارج المنفتحين على الثقافات الأخرى وفنونها، وبدأ تغير الذهنيات لتكون أكثر تقبلًا للفنان ووعيًا بقدرته على إيصال رسائل هادفة وكونه ضرورة اجتماعية وليس مجرد أداة ترفيه بل أداة بناء اجتماعي.
أسئلة وجودية
مر بالكثير من المواقف التي شكلت شخصيته وحددت مساره، بعضها جعلته يطرح أسئلة وجودية حيث اعتبر تعطل حصوله على شهادته لمرتين إشارة لم يتمكن من تفسيرها، حتى إنه دخل في مرحلة من الشك حول مهنته وما يقدمه للناس، لكنه بعد ذلك عاد ليسير في طريقه بعزم وثبات، لكن هذه التساؤلات الوجودية والشكوك تجددت في مرحلة تعرض العالم لجائحة كورونا التي تسببت في شلل لمعظم الأنشطة الحياتية ولا سيما التواصل المباشر بين الناس، حيث توقف نشاطه المسرحي خلال هذه الفترة وهو ما جعله يشعر بفراغ نظر لاعتباره أن المسرح علاقة وجودية وحالة شعورية خاصة بين المؤدي والمتلقي، وبعد كورونا أعاد حياته للطريق الصحيح الذي لا يمكنه أن يسلك غيره ووجه بوصلته نحو هدفه، وتغير فكره بحيث أصبح يبحث عن وسائل أكثر للتواصل مع الجمهور الذي اعتاد على صيغ وخطابات وأشكال معينة، لكن بعد هذه الفترة شهد النشاط المسرحي والعاملون في القطاع عقبة جديدة في استقطاب الجمهور وشدهم نحو المسرح من جديد من خلال موضوعات جديدة وطرح جديد.
جوائز وتكريمات
حصل الفنان القطري على جوائز كثيرة على مدار مسيرته على مستوى الوطن العربي وعلى مستوى دول الخليج بالإضافة إلى الجوائز المحلية، وقد بدأ الحصاد وقطف الثمار في عمر صغير، وقد حصل على أول جائزة له على المستوى العربي حين كرمه صاحب السمو الأمير الوالد سنة 1993 م حتى إنه ظهر في نشرة الأخبار الرسمية، وبعدها تتالت النجاحات والجوائز على مستوى الخليج والعالم العربي.
ولكن ظل هاجسه الأول أن يقدم فنًا وليس جوائز لذلك فهو يعتبر مسرحياته أهم من جوائزه، وأن الجوائز هي مكافأة على إنجازاته، كما يهتم كثيرًا بالنقد البناء الذي يعده النور الذي يهتدي به ليتلمس خطواته المقبلة ويحدد مساراته الفنية.
كما يعتبر الجوائز تحديًا كبيرًا لأنها تفرض عليه دائمًا التجديد والتجدد وكان هذا التميز في كثير من الأحيان نقمة لأنه رفع سقف توقعات الآخرين منه وجعله محط الأنظار.