

طالب الدوس
جمع الكتابة بالمسرح والسينما، وحول نبض المجتمع إلى حكايات وأعمال بقيت حاضرة في الذاكرة القطرية.
النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 310–317
طالب رشيد راشد الدوس، كاتب ومخرج مسرحي وسينمائي قطري.
الطفولة والنشأة
ولد في أسرة عدد أبنائها 14 ابنًا هو تاسعهم، من بينهم أخوة أشقاء وغير أشقاء، وعاش مع إخوته ووالديه وزوجة أبيه في بيت واحد بمرحلة الطفولة، ورغم أن الظروف المادية لم تكن ميسورة وكان الوالدان محدودي التعلم إلا أنهما لم يبخلا بوقتهما وجهدهما على أبنائهم لتربيتهم في أفضل الظروف. كانت الأسرة تنقسم إلى جيلين، جيل الإخوة الكبار الذين توقفوا عن الدراسة في المرحلة الإعدادية والثانوية، والجيل الثاني -الذي ينتمي إليه - كان أكثر حظًا بفرصة إكمال التعلم بعد تحسن الحالة المادية، وهو ما أدى إلى انفصال العائلة في بيتين ورغم ذلك حافظ الإخوة من الجيلين والزوجتين على علاقتهم المتينة.
وكانت الحياة في طفولته بسيطة وممتعة، رغم الفقر الذي كانت تعاني من الأسرة، لكن تشابه الأحوال في الحي خفف من وطأة هذه الظروف، فلم يشعر أنه أقل من الآخرين، وكان العيد فرصته ليشتري ما يتمنى من الثياب ويعوض الرغبات أو الأمنيات الناقصة.
بداية الشغف بالإلقاء والقراءة
بدأ مرحلة الشغف بالآداب والفنون في المرحلة الابتدائية، بداية من خلال الإذاعة المدرسية التي خطا من خلالها الخطوات الأولى نحو القراءة للبحث عن موضوعات أو فقرات يحضرها لإلقائها في الطابور المدرسي بعد عرضها واعتمادها أو إعدادها من مدرس اللغة العربية المشرف على الإذاعة المدرسية، حيث كان يعمد إلى إلقاء الكلمات المطولة منذ بداية التحاقه بالإذاعة، وهو ما جعله يقرأ أكثر وينهل من الكتب المتوفرة في مكتبة المدرسة وأغلبها من القصص والسيرة النبوية أو من كتب صغيرة تختصر سير الصحابة والعلماء فلم يكن هناك مجالٌ لشراء الكتب.
خلال هذه الفترة نمت لديه قدرة الكتابة حتى إن مدرس اللغة العربية انتبه للتطور في كتاباته الإنشائية.
اكتشاف الموهبة في الكتابة والتمثيل
موهبة التمثيل بزغت خلال الصف الخامس بالتزامن مع التحاقه بإذاعة المدرسة حيث بدأ يكتب بعض القصص البسيطة التي كانت تقليدًا للقصص التي كان يقرؤها في المكتبة أو في مجلات الأطفال التي كانت تتوفر لدى الطلاب ويتبادلونها فيما بينهم.
اختير عضوًا في فريق التمثيل للمشاركة في مسرحية تقدم داخليًا في المدرسة عن هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة وأدى دور حارس، كانت التدريبات تتم خلال الفسحة المدرسية، وفي هذه المرحلة وقع في عشق المسرح وخشبته وخطفه ألقه، فكان يضحي بالفسحة واللعب والركض واختار التدريبات رغم بساطة دوره، وقد تمكن خلال هذه المرحلة من إثبات موهبته في مجال التمثيل.
أما ملكة الكتابة فاكتشفها مدرس اللغة العربية الذي مدحه أمام زملائه وطلب منه قراءة موضوعه، في البداية كان يرتجف لكن المدرس قاطعه وطلب من الطلاب التصفيق له فزالت الرجفة وشعر بالثقة التي استمرت معه وصاحبته، لدرجة أنه أصبح يقف في طابور الصباح يقرأ حكمة أو موضوعا بشكلٍ شبه يومي.
اقتحم كذلك مجال الكتابة المسرحية في البداية محاكيًا ومقلدًا بعض النصوص وشعر بانجذاب كبير نحو هذا الفن وانبهر بمستوى كتابته لأول نص مسرحي.
المحاكاة والعزلة
لطالما كانت لديه رغبة دائمة لمحاكاة وتقليد كتابة القصص أو الموضوعات التي تقع بين يديه، أو حتى بعض التمثيليات أو المسرحيات التي كانت تعرض في التليفزيون، كان يقلدها وكأنه يحفظها، رغم أنه لا يخرج من تأثيرها ونسقها القصصي والدرامي، كما أثرت القراءة بشكلٍ كبير في فكرة اللعب بمرحلة الطفولة، فبعد قراءته لقصص وسير العظماء أمثال الصحابي الجليل خالد بن الوليد، والصحابي الجليل عمرو بن العاص، أو طارق بن زياد، كان يطلق على نفسه اسم أحدهم في أي لعبة تحمل طابع التحدي أو الحرب، وهو ما خلق بداخله الفضول والرغبة في اكتشاف خبايا شخصيات جديدة يأخذ من صفاتها وفكرها ويضيف لنفسه.
كان كثير العزلة في بدايات هذه المرحلة، كانت عزلته اختيارية، هذه العزلة كانت محركًا رئيسًا للخيال، فالمرء يعيش أحيانًا في عالم واقعي أو خيالي مستنبط من الواقع.
صعوبات وتحديات في بداية المسيرة
في الصف السادس الابتدائي، بدأ يتدرب مع فريق المسرح بالمدرسة للمشاركة في مهرجان تنظمه التربية المسرحية لكنه واجه رفضًا قاطعًا من والده لأن التدريبات كانت تجرى بعد انتهاء الدوام الدراسي، وهو ما اضطره للانسحاب من فريق التمثيل مكرهًا.
في المرحلة الإعدادية لم يجد سبيلًا لممارسة شغفه سوى إخفاء الحقيقة عن والده والتظاهر بالالتحاق بدروس تقوية، وبأنشطة رياضية. تواصلت هذه المشكلة وتعمقت مع رفض الأهل لدراسة المسرح، رغم حصوله على موافقة مبدئية للدراسة بالمعهد العالي للفنون المسرحية في مصر، مما جعله يتوقف سنة أخرى، لكنه رضخ في النهاية لرغبة الأهل ودرس «برمجة كمبيوتر»، إلا أنه لم يهجر حلمه وتمسك بطموحه، فكان يطلب من بعض الزملاء المناهج التي يدرسونها في المعهد، وحاول قدر الإمكان قراءة كل ما له علاقة بالمسرح والدراما والسينما، والتحق بورش عدة، كما أن الكتب التي صعب عليه الوصول إليها في مرحلة الطفولة، أصبحت متوفرة أمامه لا يمنعه منها سوى المال.
إطراء وصدمة
في البداية، شعر أن ما فعله كان تعبيرًا عن عدم إعجابه أو استخفافه بما كتب، لكن بعد فترة قصيرة جدًا لم تتعد اليومين، عاد وكتب المسرحية نفسها بالملاحظات أو التعديلات التي طلبها منه، وخلال أسبوع عاد له مرة أخرى في نادي الجسرة حاملًا نسخته الجديدة، استقبله بالترحيب وقبل أن يقرأ، قال «كده أنت ممكن تكون كاتب»، وكان يقصد أن إصراره على الكتابة وإعادة المحاولة مرات أول درس يجب أن يتعلمه الكاتب، وفعلًا قرأ المسرحية وأعجب بها أكثر رغم أنها لم تخل من الأخطاء البسيطة حتى إنه عبر عن رغبته في تقديم العمل، ولكنهما توقفا لأسبابٍ مجهولة، وتوقف الكاتب الطموح عن الكتابة لمدة سنة، ثم أعاد كتابة نصه وقدم المسرحية في مهرجان الأندية وفازت بالمركز الأول.
الكتابة الدرامية
بعد مشاركته في مسلسلات عدة بأدوار بسيطة وثانوية، كانت مشاركته الأولى من خلال استوديوهات عجمان، ومن خلال قراءته للنصوص الدرامية ومجاراته لها، شعر أنه لم يحقق ما يصبو إليه ولم يكن راضيًا تمام الرضا، بدأ عام 1993 م في قراءة العديد من النصوص التليفزيونية، وأعاد المحاولة وكتب ثلاث حلقات لعمل لم يكمله، حتى عام 1997 م حينما طلب منه صديقٌ كتابة ثلاثية فكتبها بحماس وثقة لأنه كان قد أثرى زاده من المعارف والقراءات عن الدراما، وبالفعل تمكن من كتابة أول عمل تليفزيوني باسم «أم مع وقف التنفيذ»، شجعته هذه التجربة لكتابة أول عمل تليفزيوني طويل «درب الخطايا» الذي بدأه عام 1998 م، واستمرت كتابته عامًا كاملًا، وأعاد كتابته بعد عام.
التعليم الذاتي والتعمق في المسرح
بعد المرحلة الثانوية، انصبت كل طموحاته على دراسة المسرح، وفعلا تقدم عن طريق التربية المسرحية بوزارة التربية والتعليم، وحصل على قبول مبدئي للدراسة على حسابه الشخصي، ورغم أن هذا الأمر مرفوض أسريًا، جراء النظرة الاجتماعية للمسرح على أنه تهريج وإضاعة للوقت وكونه مجالًا محدودًا لا مستقبل له، إلا أنه أصر في البداية على مواصلة طموحه ثم رضخ بعد ذلك لرغبة الأسرة، وفي الوقت نفسه واصل البحث والتثقف في هذا المجال وعلاقته بالحياة، تخطى قراءة النصوص المسرحية العربية والعالمية إلى دراسة علوم المسرح وعناصره الأخرى مثل الديكور، والإخراج، والتمثيل، والنقد وكل ما له علاقة بالمسرح أو الدراما وصولًا إلى علم النفس الذي كان له نصيب في تغيير كثير من مفاهيمه الحياتية، وأثر في سلوكياته وكتاباته وثقافته، ورغم ذلك رافقه في هذه المرحلة الشعور بالنقص لعدم حصوله على شهادة.
هاجس الشهادة
لازمه هاجس الشهادة لفترة طويلة من حياته، فرغم نجاحه على الصعيد المهني وإثبات ذاته وكفاءته إلا أنه حاول دراسة الإعلام من خلال الانتساب لإحدى الجامعات العربية، ولم يكمل الدراسة لأنه شعر أن الدراية لن تضيف لخبراته، فكان يحفظ معظم المواد ويفهم جميع التفاصيل قبل التحاقه بالدراسة الجامعية. شعر أيضًا بصعوبة الالتزام والتقيد بمواعيد الامتحانات والتركيز على الحفظ من أجل النجاح، فأعاد النظر في هذه الخطوة، وفضل استثمار الوقت الذي كان سيقضيه في المحاضرات في كتابة مسلسل عن دور الإعلام.
منعرج إلى السينما
بعد نجاحه في عالم الدراما قرر رفع التحدي وخوض تجربة جديدة ودخول عالم السينما، في البداية واجه الكثير من الصعوبات في فهم أيديولوجية السينما، وكان متخوفًا من خوض التجربة، خصوصًا لافتقار المنطقة لصناعة السينما، وعندما كلف بكتابة فيلم سينمائي تشجع وبدأ عملية البحث في مجال السينما فزال الخوف تدريجيًا وبدأ في فهم التكنيك السينمائي وكتابة السيناريو، لدرجة أن السينما أثرت لاحقًا في كتابته الدرامية للتليفزيون وطورت أسلوبه في كتابة الدراما التليفزيونية.
صعوبات وتحديات
مع بداية توقف الإنتاج التليفزيوني محليًا والاكتفاء بعمل واحد في السنة، وبعد أن كان قد قدم عملين في مجال الدراما ونحج فيهما حيث لاقى «درب الخطايا» استحسان الجمهور، واصل الكتابة لكن الطريق إلى التليفزيون كان مسدودًا لقلة الإنتاج فأصيب بالإحباط، وبعد سنتين من كتابة نص جديد نصحه صديق بإرسال عمله إلى منتج في دولة الكويت، وقد بادر صديقه وأخذ ثلاث حلقات وفكرة العمل وأرسله إلى الكويت، وخلال أسبوعين جاء الرد، وطلب المنتج بإلحاح هذا العمل «الدنيا لحظة» لكنه وقتها لم يكن قد كتب سوى ثلاث حلقات، فطلب منه المنتج إكمال باقي الحلقات، وأخبره أن العمل سيكون من بطولة حياة الفهد، هو ما جعله يواصل الكتابة بحماس مصحوب بالخوف والترقب، كان ينتظر رأي المنتج والمخرج وأيضًا الفنانة حياة الفهد بعد الانتهاء من كتابة كل حلقة، وحينما وصل إلى الحلقة «12» أخبره المنتج أنه خلال أسبوع سيبدأ التصوير، مما جعله يسابق الزمن لكي ينتهي من كتابة الحلقات، ومع تسليم الحلقة السادسة عشرة، كانت قد بدأت مرحلة التصوير، هذه التجربة بقدر ما كانت ممتعة إلا أنها كانت مليئة بالتحديات وبفضل تميز هذا العمل تحقق له الانتشار الكبير خارج الحدود المحلية، وصولًا إلى عمله بشكلٍ غير مباشر مع تليفزيون دبي وبشكلٍ مباشر مع قناة (إم. بي. سي).
التجربة في قناة (إم. بي. سي)
التجربة في قناة (إم. بي. سي)
من أهم المراحل التي استفاد منها في مسيرته المهنية مرحلة تعاونه مع قناة (إم. بي. سي) كاتبًا ورئيس ورشة كتابة، حيث أسهمت تلك المرحلة في نقله من الهواية إلى الاحتراف، وجعلته يركز في مجال الكتابة ويختار طريقًا محددًا، وقد أتيحت له فرصة الاحتكاك بالعديد من العاملين في مجال الدراما واكتساب الخبرة وتحقيق نجاحات وإنجازات، حيث في مجال المسرح الكثير من الأعمال تجاوزت الثلاثين عملًا كاتبًا ومخرجًا، وفي مجال الدراما العديد من الأعمال الدرامية، أهمها درب الخطايا، الدنيا لحظة، اللقيطة، عرس الدم، التنديل، آخر صفقة حب، امرأة وأخرى، الحب الكبير، العافور، العمر مرة. في مجال السينما أيضًا له العديد من التجارب السينمائية التي حققت انتشارًا واسعًا في السينما الخليجية. هذه الإنجازات التي حققها أرضت جزءًا من طموحاته من خلال العمل مع كبار النجوم في الدراما الخليجية، مثل حياة الفهد وعبد الحسين عبد الرضا، عبد العزيز جاسم، جابر نغموش، أحمد الجسمي، عبد المحسن النمر، حسن البلام، سلمى المصري، وغيرهم من النجوم. وعلى مستوى المسرح، حاز جوائز عدة في مجال التأليف، أهمها الفوز بجائزة التأليف في مهرجان الدوحة المسرحي بمسرحية «الجوع»، ومسرحية «اللظى».