ناصر السعدي
دليل الشخصيات ←

ناصر السعدي

تربوي ودبلوماسي قطري تنقل بين التعليم والثقافة والعمل الصحي، وجعل خدمة المواطنين محورًا لمسيرته.

النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 250–257

ناصر علي محمد السعدي، الملحق الطبي بسفارة دولة قطر في واشنطن منذ عام 2011. جمع بين خبرة التعليم والعمل الثقافي والدبلوماسي، وتولى مسؤوليات تتصل برعاية المرضى القطريين ومرافقيهم في الولايات المتحدة.

النشأة والطفولة

عاش طفولة مستقرة هادئة وسط الفريج مع أصدقائه ومارسوا الألعاب الشعبية وكرة القدم، وكانت العلاقات بين الجيران وطيدة وكأنهم عائلة واحدة يتشاركون الأفراح والأتراح ويخرجون إلى البر معًا، فكانوا يشعرون كأنهم إخوان.

شخصان كان لهما تأثير كبير في حياته، إنهما والداه اللذان حرصا على توجيهه بشكل سليم والتركيز على العلم والدين، والدته صاحبة شخصية قوية وصارمة ووالده شخص شديد الطيبة وهو ما جعل الأجواء داخل البيت متوازنة.

المسار التعليمي

درس المرحلة الابتدائية في مدرسة الخليج العربي والإعدادية في الدوحة الإعدادية والثانوية في الدوحة الثانوية، وبعد الحصول على الثانوية العامة التحق بجامعة قطر سنة 1983 م في تخصص تربية وتخرج سنة 1987 م.

بداية المسيرة المهنية

بدأ مسيرته المهنية في وقت مبكر، إذ كان حريصًا على الاعتماد على نفسه بعد الثانوية العامة مباشرة بدأ العمل كمدير مكتب مدير تليفزيون قطر آنذاك سعادة السيد مانع بن عبد الهادي الهاجري إلى أن تخرج في الجامعة، وتزوج في عمر الثماني عشرة سنة وأنجب ابنه في سن صغيرة وهو ما فرض عليه العديد من التحديات لتحقيق التوازن بين العمل والدراسة والتزاماته العائلية.

وبعدها حصل على شهادة جامعية في تخصص التعليم الذي كان شغفه وعمل مدرسًا مدة سنتين وبعدها تدرج إلى وكيل ثم مدير مدرسة.

التجربة في أمريكا: الملحقية الثقافية

في شهر أكتوبر من سنة 1994 م شهدت مسيرته المهنية نقلة نوعية بعد اختياره ليكون مساعدًا للملحق الثقافي في الولايات المتحدة الأمريكية وتحديدًا في واشنطن، واستمر بهذا المنصب ست سنوات إلى أن حصل سنة 2000 م على ترقية ليصبح الملحق الثقافي إلى أن أغلق المكتب الثقافي سنة 2009 م، وتم انتدابه بعدها لتوجيه بعض طلاب الطيران المدني التابع لهيئة الطيران المدني في أمريكا لمدة سنة.

وزارة الثقافة

سنة 2009 م جمعته الصدفة بسعادة السيد حمد بن عبد العزيز الكواري وزير الثقافة سابقًا الذي كان في مهمة رسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأفضى نقاشهما حول الدوحة عاصمة الثقافة التي كانت على رأس أولويات وزارة الثقافة إلى عرض وظيفة عليه في الوزارة لترؤس إحدى اللجان في الدوحة عاصمة الثقافة، إذ رأى فيه الدكتور حمد الكواري العديد من الخصال الفكرية المميزة واقترح عليه إدارة برنامج متكامل على مستوى عالمي وفي غاية الصعوبة.

وقد أوكلت إليه العديد من المهام في الحدث العالمي فشغل منصب مدير إدارة العلاقات العامة ولجنة العلاقات العامة وعضو في لجنة التسويق وعضو في لجنتي اليوم الافتتاحي والختامي الذي صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر وصاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الذي كان وليًا للعهد آنذاك، وحضره معظم السفراء والوزراء وكبار المسؤولين في الدولة، وكانت فترة صعبة مليئة بالتحديات حيث كان يعمل من الساعة السادسة صباحًا إلى بعد منتصف الليل بشكل شبه يومي لمدة سنة، وكان الحدث ناجحًا ومميزًا، ومن أنجح الأحداث الثقافية في الوطن العربي والعالم الإسلامي بشهادة مختلف دول العالم العربي. وقد استفاد كثيرًا من هذه التجربة لا سيما على مستوى الإدارة والتعامل مع أشخاص من خلفيات ومرجعيات مختلفة ومن احتكاكه بسعادة الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، واستمر في هذا العمل أن أتم المهمة على أكمل وجه وأسهم في إنجاح الحدث الثقافي الذي شد أنظار العالم إلى دولة قطر.

من الثقافة إلى الصحة

خلال فترة عمله في وزارة الثقافة التقى بوزير الصحة آنذاك سعادة السيد عبد الله بن خالد القحطاني سنة 2010 م في أحد الاجتماعات واستدعاه إلى مكتبه واقترح عليه العمل كملحق طبي في ألمانيا، ولكن في ذلك الوقت كان مرتبط بعدة مهام لمدة سنة في الدوحة عاصمة الثقافة.

إنجازات ونجاحات

رغم عمله في أكثر من مجال ومكان إلا أن التوفيق والنجاح لطالما كان مرافقًا له، فكان له في كل محطة إسهامات نوعية ونجاحات استثنائية وبصمة خاصة، ولكن أهم هذه المحطات وأكثرها عطاءً وزخمًا فترة عمله كملحق طبي التي تجاوزت العشر سنوات، حرص خلالها على النظر في الحالات الطبية أولًا بأول، وعدم تأجيل أي ملف أو حالة إلى الغد لأن كل تأخير قد يتسبب في وفاة أحد المرضى، وشهد له خلالها بالحرص والدقة والالتزام، وحصد نسبة رضا عالية من المرضى وذويهم بفضل سرعة الرد ومرونة الإجراءات، فهو يضع مصلحة المريض فوق باقي الاعتبارات ويدافع بقوة عن مصلحة المريض من منطلق شعوره بالمسؤولية تجاه المرضى، ونجح بالفعل في الحصول على بعض الاستثناءات لعدد من الحالات الحرجة لإنقاذ حياة بعض المرضى، وقد تمكن في الكثير من الأحيان من إقناع اللجنة الطبية برأيه وتغيير القرارات وتسهيل الإجراءات، وقد سهل عليه أداء عمله تجاوب أعضاء اللجنة الطبية بشكل كبير.

صعوبات وتحديات

واجه على مدار مسيرته العديد من الصعوبات فمنذ توليه منصب الملحق الطبي وجد مجموعة من التحديات في انتظاره، إذ صادف تعيينه في هذه المهمة ارتفاع عدد المرضى بشكلٍ كبير من أقل من مئة مريض إلى أكثر من ألف، فضلًا عن صعوبة التعامل مع المرضى الذين يختلفون عن الطلبة، فكلهم يواجهون حالات صعبة وحرجة ويرغبون في توفير مناخ وبيئة وظروف مثالية وهو ما جعله بمثابة الأب للمرضى ومرافقيهم الذين تصل أعدادهم إلى ثلاثة آلاف، كما وجد نفسه في كثير من الأحيان بين مطرقة طلبات المريض وسندان قوانين العلاج في الخارج لا سيما أن القوانين الأمريكية صعبة ومعقدة.

من بين التحديات أيضًا أنه ليس هناك ساعات عمل محددة، فطبيعة عمله تفرض عليه أن يكون متاحًا طوال الوقت وفي تواصل مستمر سواء بالهاتف أو الإيميل، حتى إنه كثيرًا ما يتلقى مكالمات في أوقات متأخرة من الليل، وهو مشرف على المرضى في مختلف المستشفيات في أمريكا وهي قارة كبيرة.

أحداث وأزمات

عاصر العديد من الأحداث في أمريكا التي كانت لها تداعيات وأبعاد كثيرة أولها أحداث 11 سبتمبر التي عايشها بينما كان ملحقًا ثقافيًا، والحدث الثاني كورونا بينما كان ملحقًا طبيًا، فرض هذان الحدثان عليه كثيرًا من التحديات، فكان الحدث الأول صعبًا على الطلاب وعليه، فتحمل مسؤولية حماية الطلاب وإرجاعهم إلى قطر وإقناع الوزارة بعدم احتساب الفصل الدراسي، وكانت فترة ضغط نفسي وعصبي حيث كان يتلقى مكالمات من أهالي الطلاب في أوقات متأخرة بسبب فارق التوقيت وطوال اليوم كان متاحًا للرد على استفسارات الطلبة.

إذ تعرض الطلاب خلال أحداث سبتمبر لمعاملة سيئة وبعضهم تعرض للتحرش أو التهديد، ولحسن الحظ أنه كان هناك تجاوب من الدولة.

في فترة كورونا كان هناك حوالي ثلاثة آلاف شخص بين مرضى ومرافقين، وقررت مجموعة كبيرة من المرضى العودة إلى أرض الوطن، في وقت كانت معظم المطارات مغلقة والرحلات معلقة.

محافظة على العادات والتقاليد القطرية

عندما انتقل لأمريكا انتقلت معه عائلته وأبناؤه الذين كانوا لا يزالون أطفالا وأكبرهم علي في المرحلة الابتدائية وحصة لم تدخل المدرسة بعد، وما زال لم يخط خطواته الأولى بعد، ورزق بسارة ومحمد في أمريكا.

ومنذ أن اتخذ قرار السفر كان لديه نظرة في تعليم النشء فركز على تعليم اللغة العربية والعلوم الشرعية لأبنائه، وكان هذا أكبر تحدٍ بالنسبة له في أمريكا ووجود الأكاديمية الإسلامية السعودية في واشنطن اختصر عليه الطريق فالتحق جميع أبنائه بهذه المدرسة، وتوفق في غرس القيم والتعاليم الإسلامية بأبنائه الذين يتكلمون العربية بطلاقة ويتكلمون اللغة الإنجليزية بمستوى الأمريكيين أنفسهم.

وقد غرس في أبنائه الهوية العربية الإسلامية وفي الوقت ذاته لم يتقوقع على نفسه وترك المجال لأبنائه للانفتاح على الأفكار والعقلية الأمريكية ليأخذوا منها ما يفيدهم ويتماشى مع ثقافتهم، ونجح في بناء حياة متوازنة لأبنائه تجمع بين المحافظة على الهوية والدين والعلم والمعرفة والانسجام داخل المجتمع الأمريكي دون صعوبات أو تعقيدات، وهو التحدي الأكبر الذي اجتازه بامتياز، إذ حافظوا على الشق القطري في العادات والشق الأمريكي في العلم، وكلهم تخرجوا في جامعات أمريكية مرموقة، وعادوا بعد حصولهم على شهاداتهم إلى دولة قطر وهم يشغلون مناصب مهمة وقياديون يسهمون في رفعة وطنهم.