هنادي الدرويش
دليل الشخصيات ←

هنادي الدرويش

رأت العالم بعين فنية خاصة، وحملت تراث وطنها وهويته إلى أعمال جمعت التجربة الشخصية بالرسالة الإنسانية.

النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 354–361

هنادي أحمد الدرويش، فنانة تشكيلية واستشارية ثقافية بوزارة الثقافة، ونائبة رئيس سابقة للجمعية القطرية للفنون التشكيلية ورئيسة سابقة لمجلس إدارة مركز إبداع الفتاة ومديرة سابقة لإدارة الفنون البصرية.

قضت ما يقارب 15 عامًا في إدارة الفن، وحققت خلالها إنجازات في المشهد الثقافي الوطني والعربي.

شغف وإلهام يشعل شرارة الإبداع

لا شك أن للأسرة دورًا موجهًا في تنمية قدرات الإبداع لدى الطفل، ذلك ما حظيت به في طفولتها حين بدأت تتلمس طريق الفن، فقد وجدت في بيتها الدافئ العامر بالحب الإلهام والمحفز لشق ذلك الطريق. عثرت على القدوة في شقيقتها ورأت أفق الشغف في بيتٍ مشبع باللمسات المعمارية وبتصميم أخاذ ومستلهم من البيئة القطرية. كانت تكبر بين أدوات الرسم ورائحة الأصباغ وتنوع الأشكال، وكانت تنمو بداخلها رغبة التدرب على الرسم. ولم يكن أمامها غير أن تتمرن وتحاول استخدام تلك الأدوات حتى أصبحت جزءًا من عالمها، فقبل أن تنشئ علاقات مع الأفراد والعالم المحيط بها، كانت تكتسب وعيًا متميزًا بالأشياء من حولها، وهو ما جعلها تنظر إلى ما هو جامد باعتباره شيئًا قابلًا للحياة، ورأت في ما هو صامت شيئًا قابلًا للكلام، فبدا لها الرسم نوعًا من تحويل اللامرئي إلى مرئي مثلما هو تحويل الحالات النفسية الموغلة في التجريد إلى حالة مشخصة، وبين هذا وذاك خبرت السير في اتجاه تجريد الأشياء والأماكن والأشخاص واستيعاب التشخيص في كونٍ مجرد.

وفي مراحلها التعليمية، حظيت بتشجيع معلماتها اللواتي أدركن موهبتها وتصميمها على أن يكون لها مسارٌ فني متفرد في حياتها.

المرحلة الجامعية وصقل الموهبة

وضعت تخصص التربية الفنية نصب عينيها ولم تكن ترى نفسها في أي مجال أو تخصص آخر، وشاءت الأقدار أن تتخصص في المسار الذي أولعت به. لقد حلمت طويلًا بأن تدرس الفن، لإيمانها بأن الموهبة وحدها ليست الشرط الوحيد لتحقيق ذلك الحلم. آمنت بأن الدرس الجامعي في الفنون يمنح الاقتدار العلمي والنظري للتجربة، فالفن مزاوجة بين الفكرة والمهارة، وكيف لهذه الفكرة أن تتشكل دون مهارات؟ وكيف لليد الصانعة أن ترسم دون وجود فكرةٍ ملهمة وموضوع وبحثٍ. أدركت أن تجربة الفن قائمة على البحث، لذلك ركزت في أطوار تجربتها الجامعية على فهم ما يقتضيه المشروع الفني من مراحل. كانت تستأنس بالتجارب العربية والعالمية في الفن، وتدرس الاتجاهات والتيارات الفنية وتقف عند تبايناتها وخصائصها، إذ لا يمكن أن يكون الفنان باحثًا عن موقع فني إلا بفهم ما هو متناثر على خريطة الفن شرقًا وغربًا. درست تلك التجارب بوعي الفنانة وليس الطالبة، إذ لم يكن الهدف من التخصص الجامعي تحصيل شهادة بقدر ما هو بناء شخصية فنية مستقبلية.

كانت طالبة ناشطة خلال الجامعة، تشارك في العديد من الأنشطة الفنية والمعارض، وصقلت موهبتها أكثر أثناء سفرها، فعلمتها الأسفار الكثير على المستوى الفني، وتعرفت على الأعمال الأصلية للرسامين في المتاحف والمعارض واطلعت على كيفية ممارسة الفنون في المناطق العامة والحدائق والمتنزهات والورش الخاصة. لم تتردد في زيارة مراسم الفنانين فاستفادت بشكل كبير من هذه الزيارات والاحتكاك بثقافات الجنسيات المختلفة، وتولدت لديها ثقافة واسعة وثقة عالية، فكانت سفيرة لبلدها، فكل فنان سفير يمثل بلده متى آمن بأنه يحمل رسالة مجتمعه، ويفتخر بتاريخ أجداده ويعتز بهويته الوطنية.

في كل تلك الأسفار ظلت تدون ملاحظاتها في دفتر الرسم. كانت تسجل فيه كل ما يخطر ببالها، وتضع فيه أسئلتها وأبحاثها. تقتنص الأفكار فلا تدعها تتبخر إلى أن تجد طريقها إلى معالجة فنية.

حضور القدوة والقائد في مسيرتها

لم تكن لتحقق ما وصلت إليه من إنجازات ونجاحات لولا حضور سيدة عظيمة نشرت التفاؤل في المجتمع القطري وفتحت المجال أمام المرأة القطرية لتحقق أحلامها وهي صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر التي بذلت جهودًا حثيثة لتغيير فكر المجتمع، حيث أعطت المرأة القطرية اهتمامًا كبيرًا ودعمتها ومكنتها ومنحتها ثقة كبيرة للظهور في جميع الميادين وتمثيل بلدها.

بداية المسيرة المهنية

صعوبة البدايات تهون بثراء التجربة وجمال النهايات. لم تكن البدايات سهلة وذلك أمر شائع في حياة الفنانين، إنهم يجدون أنفسهم في حيرة أمام العالم مثلما يجدون أنفسهم أمام القماشة البيضاء فيسألون: كيف السبيل إلى تشكيل عالم فني فيها؟ بعد التخرج مباشرة، عملت مدرسة لمادة الرسم لسنة واحدة انتقلت بعدها للعمل في إدارة المناهج والكتب المدرسية، مختصة بتصميم وإخراج الكتب المدرسية، ورغم عشقها لهذا المجال ورائحة الكتب والصباحات الجميلة على صوت الطلاب وحبها لوظيفتها في إدارة المناهج التي تعدها من أجمل محطات حياتها إلا أن حلم خوض مجال الفن ظل يراودها.

رئيس مجلس إدارة مركز إبداع الفتاة

بعد فترة طويلة من العمل خاضت تجربة عضوية مجلس إدارة مركز إبداع الفتاة لأكثر من سنتين، وبعد ذلك اقتربت أكثر من حلمها وطموحها وشغفها بعد أن عينت رئيسًا لمجلس إدارة مركز إبداع الفتاة الذي استمرت فيه لأكثر من خمس سنوات، فكانت تنظر إلى ذلك المركز باعتباره حاضنةً للفتيات الموهوبات ومنبعًا لتدريبهم على أصول الفن، فعملت على وضع خطط وبرامج لتنمية مواهبهم وتشجيعهم، وفتح آفاق الفن لهم. إنها عملت بذهنية جديدة بعد أن اطلعت على تجارب عالمية في المجال، وآمنت أن مواكبة التحديث في الفنون يكون منطلقا جيدًا في صقل المواهب الشابة. آمنت حينها بأن الفن مسؤولية وطنية لأنه يتعلق ببناء جزء مهم من شخصية الجيل الجديد.

حلم مؤجل وتجربة متفردة

شاءت الصدف أن تجمعها برجل استثنائي كان له بالغ الأثر في مسيرتها، فبينما كانت تشغل منصب رئيسة مجلس إدارة مركز إبداع الفتاة التقت في أكثر من مناسبة بسعادة الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري وزير الثقافة آنذاك الذي كان حريصًا على زيارة معارض المركز، وعرض عليها الالتحاق بوزارة الثقافة بصفته المكان الأنسب لها. كان هذا العرض خطوة حاسمة في حياتها الفنية، واستفادت من كل تجاربها في تطوير فهمها لدور الفن في الحياة، وقدرته على النفاذ إلى كل مجالاتها.

صدر قرار بتعيينها رسميًا بتاريخ 13 مارس/آذار 2013 م، واختارت هذا التاريخ ليصبح يومًا مميزًا لتلك النقلة المهمة في حياتها.

تقلدت منصب إدارة مركز الفنون البصرية فوضعت بصماتها الفنية في تلك المرحلة. كان المركز أحد أبرز مظاهر تطور الحياة التشكيلية في دولة قطر، وكان للسيدة دورٌ كبيرٌ في توسيع آفاقه نحو العالمية. في تلك الفترة اتسع نطاق مشاركة الفنانين في المعارض الدولية والفعاليات المهمة مثلما تنامى نشاط الحركة التشكيلية في قطر.

أسهمت خلال هذه الفترة المثمرة من حياتها في تقديم صورة مشرفة عن وطنها وثقافته وعاداته الأصيلة الجميلة من خلال المشاركات الخارجية في المحافل والمعارض الدولية المهمة والسنوات الثقافية.

دار حصة للفنون

عقب الدمج، أصبحت مستشارًا ثقافيًا بوزارة الثقافة، ووجدت صعوبة بالغة في أن تكون بين جدران المكتب الروتيني، فقررت مواصلة العطاء في مجال الفن والثقافة خاصة بعد مسار مهني قضته في عالم الفن، بين الإدارة والتجربة الشخصية، قررت أن تخطو خطوة جريئة تعكس من خلالها رؤيتها في مجال الفن وتستكمل حبها وعطاءها، وتتمكن من إبراز الفن التشكيلي القطري داخل الدولة وخارجها، فجاءت فكرة تأسيس «دار حصة للفنون» في 2019 م، وهو مشروع يلبي طموحها ويقدم رؤية فنية متكاملة عن ثقافة قطر وتراثها.

أطلقت الفنانة التشكيلية اسم «حصة» على مشروعها الثقافي الطموح تيمنًا باسم والدتها وتعبيرًا عن امتنانها لها؛ فهي عندها الوطن والهوية، وليكون هذا الاختيار حافزًا ودافعًا لتقديم كل ما هو أجمل وأفضل ليليق بمكانة هذا الاسم.

استخدمت في أكثر من لوحة خامات تقليدية تخص والدتها لا سيما «البطولة» الذي كانت ترتديه، وقدمته في معرض شخصي بالكويت في 2016 م بجاليري بوشهري تحت عنوان «حنين الذاكرة… حصة».

وتسعى من خلال الفعاليات والشراكات المختلفة أن تكون دار حصة حاضنة للفن القطري وسفيرته في الخارج.

نظمت العديد من المعارض الفنية، وكان أول نشاط لدار حصة بدأ بالتعاون مع قطر الخيرية خلال فترة انتشار فيروس كورونا (المسبب لوباء كوفيد-19) في مبادرة أطلقتها تحت عنوان «كلنا لها»، كانت دعوة للفنانين للتبرع بأعمالهم الفنية ليعود ريعها للأسر المتضررة من كورونا لا سيما الذين فقدوا وظائفهم، وكان لهذه المبادرة صدى كبير.

نظمت كذلك معرضًا للفن التشكيلي بعنوان «اتجاهات» بالتعاون مع مؤسسة الحي الثقافي (كتارا)، خلال جائحة كورونا أيضًا، كان المعرض افتراضيًا في نسخته الأولى بمشاركة أهم الفنانين من داخل قطر وخارجها.

سفيرة الفن القطري

لطالما آمنت أن الفن رسالة سامية الهدف منه تمثيل الوطن ورفع رايته، فقد أتيحت لها فرصة المشاركة في السمبوزيوم الدولي للفن المعاصر الذي أقيم في مايو/أيار 2023 بالمملكة المغربية، فمثلت دولة قطر في هذا الملتقى مع نخبة من الفنانين من مختلف الدول العربية والعالمية. شاركت كذلك في أيام قرطاج للفن المعاصر بتونس في يونيو/حزيران 2023 وأتاحت المشاركة في هذا الملتقى وغيره من الملتقيات خبرة أكبر للفنانة التشكيلية من خلال لقاء الفنانين وتبادل الخبرات وطرح تجربتهم وخبرتهم، فهي فرصة نادرة لتجمع الفنانين تحت سقف واحد يفتح المجال لمواكبة المستجدات.

شاركت كضيف شرف ومثلت دولة قطر في ملتقى الفن العالمي في صربيا، وهي المرة الأولى التي يستضيف فيها هذا التجمع الفني الكبير فنانًا من الدول العربية منذ تأسيسه، وتعد مشاركة أول مشاركة عربية خليجية قطرية في هذا الحدث المهم الذي يضم كل أنواع الفنون ويجمع نخبة من الفنانين.

الفن في مواجهة العوائق

على مدار مسيرتها الإبداعية واجهت الفنانة التشكيلية القطرية العديد من التحديات، فوجدت نفسها في كثير من الأحيان أمام تيار من الثقافات المختلفة التي تجرف الثقافات الضعيفة والمترنحة، ما جعلها تسعى بإصرار للتعريف بثقافتها والتغني بهويتها من خلال فرشاتها.

وكحال أغلب الفنانين تواجه في بعض الأحيان مرحلة من التروي الفني والقلق الإبداعي فتتمهل في التعبير والرسم وتتوقف فترات قد تطول أحيانًا لتعود بعد ذلك لتقديم تجربة جديدة مختلفة بعيدة عن التكرار، فتكسر نمطها المألوف وتفاجئ محبي الفن بتجارب فنية جديدة، فالبعد عن العمل لفترات يجدد مصادر الإلهام ويضمن تميزها وفرادتها بفضل إصرارها وشغفها.

وتؤمن بضرورة تفعيل مشاركة الفنانة القطرية من خلال دعم المبدعات وتكريم الرائدات فضلًا عن تخصيص أماكن لاحتضان أعمالهن.