أريج محمد
دليل الشخصيات ←

أريج محمد

واجهت الخوف والعمل الميداني بصرامة، وحولت سنوات قليلة في الإعلام إلى حضور يسبق عمر التجربة.

النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 26–33

أريج محمد، إعلامية ومنتجة برامج في قنوات الكأس الرياضية، ومقدمة تلفزيونية. واجهت مخاوف العمل الميداني وتجاوزتها، فبنت حضورًا مهنيًا لافتًا خلال سنوات قليلة.

حادث أعاد ترتيب الحياة

ولدت في دولة قطر وتنتمي لوالد قطري يعمل جراح أطفال واستشاريًا وبروفيسورا في التعليم الطبي العالمي وأم أجنبية، قضت طفولتها في مجمع سكني كبير حيث كانت تحظى بعدد كبير من الجيران والأصدقاء المحبين وكونت معهم ذكريات لا تنسى في بيئة جميلة مليئة بالحب والاحترام، فأسست علاقات قوية منذ الصغر مع جاراتها اللواتي في نفس عمرها من جنسيات وثقافات مختلفة مما قوى شخصيتها وجعلها أكثر وعيًا وتسامحًا وتقبلًا للاختلاف.

وبدأت التحديات في حياتها مبكرًا عقب انفصال والديها وسفر والدتها إلى بلدها، لكن والدها لم يقصر معها ومع أخواتها وأخيها، ومارس دور الأب والأم في آنٍ واحد، وحاول دائمًا أن يعوضهم عن غياب والدتهم، فأحاطهم بالحب والحنان. عدم وجود والدتها في الصورة وغيابها في أوقات كثيرة بسبب ظروف خارجة عن إرادتها سبب لها الشعور بالوحدة وفقدان عنصر الأمومة في حياتها في سن صغيرة جدًا، إلا أنها حولت جميع هذه المشاعر المتضاربة والمؤلمة إلى مصدر قوة كبيرة، ما جعلها إنسانة حذرة وناضجة في تلك السن، ومراعية حساسة ومعطاءة للآخرين في الوقت ذاته.

وتأثرت الطفلة المبادرة بشخصية والدها الطبيب وجدها الذي كان يعمل في مجال التربية والتعليم وكان أيضًا مستشارًا قانونيًا للشؤون الإسلامية للديوان الأميري في دولة قطر، وكانت لهما بصمة قوية في المجتمع، وكانا صاحبا كلمة وتأثير في حياتها، تعلمت منهما العزيمة والإصرار وحب الخير ومساعدة الناس بقدر المستطاع، وهو ما جعلها تصنع من مواقف الحياة الصعبة درعًا لمقاومة التحديات والصعوبات اليومية، وأصبحت لديها قدرة كبيرة على تقبل التغيرات المستمرة في حياتها سلبية كانت أو إيجابية، وعلمها أيضًا مرض والدها لسنوات عديدة وعلاجه لفترات طويلة أن الحياة لم تكن عادلة. رغم أن والدها كان معالجًا لآلام للآخرين رغم أنه لم تكن لديه القدرة على علاج نفسه من التعب والوجع الذي كان يواجهه فأصبحت تشعر بحالة من الرضا والامتنان وتقبل الابتلاء لأنه قضاء وقدر مكتوب لنا، ورغم الشعور بالإحباط في بعض الأحيان يجب علينا أن نتذكر دائمًا أن هناك خيرًا في كل شر وعبرة لنا كونه جزءًا من حياة الإنسان.

وقع خطب كان له التأثير الأكبر على حياتها، تعرضت لحادث سير خطير في سن مبكرة كان سيودي بحياتها، وتغيرت نظرتها للحياة فأصبحت أكثر صلابة وقوة عند مواجهتها لأي نوع من الصعوبات والأزمات، وبعد انتهاء مرحلة العلاج وتجاوز الأزمة النفسية التي استمرت طويلًا اكتشفت المعنى الحقيقي لقيمة الصحة والحياة، وأيضًا معدن الأشخاص المحيطين بها، ورغم أنها كانت تجربة مؤلمة لكنها ساعدتها على اكتشاف زوايا جديدة في ذاتها بعد مرحلة طويلة من التأمل ومراجعة النفس، فأصبح تفكيرها يسبق سنها وتغيرت بشكل كبير جدًا.

دراسة تقود إلى دبي

تعلمت في بداية مسارها الدراسي الابتدائي في مدارس حكومية ومن بعدها انتقلت إلى مناهج المدارس المستقلة وأيضا المدارس الأجنبية الخاصة خلال مرحلة الإعدادي والثانوي، ولم تجد أي صعوبة في فهم وإتقان اللغة الإنجليزية بسهولة بفضل اختلاطها بصديقاتها اللواتي يتكلمن اللغة الأجنبية باستمرارية منذ الصغر. وفي المرحلة الجامعية درست في بريطانيا لمدة سنة في مدينة مانشستر، كانت في البداية تطمح لدراسة السياسة الدولية والقانون لكي تصبح محامية في المستقبل، واستمرت في هذا التخصص لمدة سنة كاملة، وكانت فترة ممتعة في حياتها ونقلة نوعية تعلمت من خلالها الكثير من المعلومات وتطوير الذات من خلال تعليم مكثف على أيدي أساتذة عالميين، وأسهمت هذه المرحلة القصيرة من حياتها في تطوير شخصيتها بشكل كبير واستمداد قوتها في الغربة وصقلها. بعد مرور سنة اكتشفت أن هذا المجال أصعب مما كانت تتخيله وأن قراءة وحفظ الكثير من الكتب والتعمق فيها بشكل مستمر لا يناسب شخصيتها المتقلبة.

وخلال فترة معيشتها في الخارج كانت تشعر أحيانًا بالوحدة الكبيرة رغم وجود كثيرين من الأصدقاء الداعمين حولها، ولكن البعد والاشتياق المستمر لعائلتها كان يغلبها معظم الأوقات ومرت بنوع من الاكتئاب بسبب برودة الطقس وغياب الشمس مما أدى إلى الشعور بالملل بسبب عدم المقدرة على الخروج في كثير من الأحيان بسبب سوء الطقس في مدينة مانشستر، بالإضافة إلى اشتياقها الأكبر لوالدها بسبب تعلقها الكبير به، لكنها واصلت السير في طريقها ومن بعدها قررت الانتقال إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرت تخصصها إلى مجال الإعلام لتكون أقرب إلى عائلتها وفي الوقت ذاته لتكون مستقلة وقادرة على تحمل المسؤولية والاعتماد على الذات.

انتقلت إلى دبي عام 2010 م وبدأت مرحلة تعليمية جديدة في جامعة Middlesex university بالمدينة التعليمية في دبي knowledge village ودرست بتخصص الإعلام والصحافة وتخرجت سنة 2014 م. كانت مرحلة جديدة وتخصصًا جديدًا بالنسبة لها كونها كانت تدرس مجالًا مختلفًا في مدينة مانشستر، ولكن التأقلم كان سهلًا جدًا بالنسبة لها نظرًا للبيئة والبلد وطرق المعيشة المؤلفة لها وتشابه العادات والتقاليد لدولة الإمارات ودولة قطر. كونت صداقات عديدة جميلة لطلاب من جميع الجنسيات ولكن أجمل شيء في هذه المرحلة هو قرب المسافات بين دبي وبلدها، فكانت كلما اشتاقت لأهلها وبيتها تذهب لزيارتهم في رحلة لا تزيد عن ساعة.

من خلف الكواليس إلى الشاشة

بدأت مسيرتها مع قناة الكأس كمنتجة برامج مساعدة، وقد وجد فيها المسؤولون الحب والشغف تجاه المهنة، حيث كانت تحب استضافة الشخصيات المرموقة التي لها بصمة أو طابع في المجتمع، بعد ذلك أصبحت منتجة أساسية، في البداية كانت تفضل أن تكون خلف الكواليس نظرًا لتخوفها من التعليقات والكلام السلبي، لكنها بعد ذلك تجاوزت مخاوفها وقررت الظهور كإعلامية لا سيما أن خلفيتها الأكاديمية مناسبة كونها خريجة إعلام وقد وجدت دعمًا كبيرًا من فريق العمل.

وكان دخول هذا المجال قرارًا صعبًا فرغم تأييد والدها لقرارها إلا أن جدها وأخاها الكبير رفضا رفضًا قاطعًا نظرًا إلى تشكيكهما في قدرتها على تقبل النقد ولأنها شخصية حساسة شديدة التأثر، لكنها سارعت إلى المشاركة في دورات تدريبية خاصة بنبرات الصوت والتنفس والإلقاء على الهواء وهو ما جعلها مستعدة للظهور على الشاشة.

في بداية هذه المرحلة شعرت أن البروز والظهور تحت الأضواء متعب، ولكنها لم تندم على هذه الخطوة، وقدمت برنامجها الأول «اثنتين ونص» وهو برنامج اجتماعي رياضي يومي على قنوات الكأس الرياضية وفاجأت الجميع ونفسها بقرارتها الصائبة وشخصيتها القوية التي لا يرفعها مدح ولا ينزلها ذم وبرمجت نفسها لتكون شخصية متجددة ومتقبلة لآراء الآخر.

تغيرت حياتها الاجتماعية بعد دخول مجال الإعلام حيث أصبحت دائرة علاقاتها الاجتماعية أضيق نظرًا لالتزاماتها المهنية وأيضًا للمحافظة على صورتها الرسمية نظرًا لأن طبيعتها العفوية والمرحة يمكن أن تدخلها في بعض الزوايا التي تتجنب دخولها لأنها مضطرة لإظهار شخصية جدية ورسمية وهو عكس شخصيتها، وأصبحت أكثر انتقائية للمحيطين بها والجهات التي تمثلها، وأصبحت تصب تركيزها بشكل كبير على مهنتها التي وجدت فيها ضالتها، ولكن في الوقت نفسه لا تحرم نفسها من المساحة الخاصة ولحظات الراحة والاسترخاء.

النجاح حين يصبح مسؤولية

شاركت كعريفة حفل في الكثير من المناسبات المهمة للماركات العالمية والشركات القطرية الكبرى من بينهم الفيفا والخطوط الجوية القطرية وكأس العالم، لكن أهم إنجازاتها ولحظات الفخر في مسيرتها جاءت بعد أن تلقت مكالمة لدعوتها للمشاركة في تدشين ساعة العد التنازلي لكأس العالم فيفا قطر 2022 الذي أقيم على الأراضي القطرية في فرضة الشيوخ وذلك كعريفة الحفل الرئيسية والذي بث على الهواء مباشرة وشاهده الملايين حول العالم وصورته مئات الكاميرات من مختلف القنوات العالمية، كانت بالفعل لحظة فخر لن تنساها بوجود كبار الشخصيات، وقد قابلت هناك العديد من الشخصيات المؤثرة عالميًا.

الإنجاز الآخر الذي تعده نقلة في مسيرتها الإعلامية وفخرًا كبيرًا لها كان التعاون والعمل لدى سعادة الشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني في مشروع ضخم كان له بصمة كبيرة في عالم الفن المعاصر والمتاحف والعروض العالمية وهو مشروع Qatar Create وكانت فرصة لها أن تقدم من خلاله أدق التفاصيل والمعلومات العلمية والفكرية باللغة العربية عن جميع ما يخص المتاحف والفنون في دولة قطر خلال فترة كأس العالم. كانت محظوظة كونها تعاملت على الصعيد الشخصي وأجرت مقابلات مع كبار الفنانين والشخصيات المؤثرة عالميًا من خلال هذا المشروع.

قبل أن تكون إعلامية فهي إنسانة حساسة لديها جانب إنساني كبير تشعر بحاجة الإنسان والحيوان على حد سواء ولا تبخل بتقديم المساعدة، حيث قدمت العديد من المبادرات الإنسانية للعمال لا سيما في شهر رمضان الكريم، حيث كانت تجمع مع صديقاتها مبالغ مالية لتوفير المواد الأساسية ويذهبن إلى المنطقة الصناعية ويتعرفن على أحوال العمال ويقدرن جهودهم ويقدمن لهم المساعدة، ولم تدخر جهدًا في مساعدة الحيوانات المشردة ودائمًا ما تضع بداخل سيارتها الأكل المخصص للقطط لإعطائه لهم في كل مكان، هذه التجارب جعلتها أكثر تقديرًا للنعم.

الفقد لا يوقف المسير

من المواقف التي شعرت خلالها بالضعف والحزن الشديد وفاة جدها وجدتها في أسبوع واحد، ما جعل الصدمة مضاعفة وجعلها تمر بفترة صعبة، لكن هذه الصدمة جعلتها توقن أن الإنسان مهما حقق من نجاحات وإنجازات فإنه لن يأخذ من هذه الحياة سوى السمعة الطيبة، وأصبحت بعد هذا الفقد أكثر قدرة على تخطي المواقف والأشخاص السلبيين وأكثر قدرة على تقدير المواقف.

الحياة الإعلامية حياة بوجهين تتطلب منك أن تظهر على الشاشة بأجمل صورة بغض النظر عما تعيشه في حياتك اليومية من تقلبات أو حالات نفسية ومشاكل، وهو ما جعل في كثير من الأحيان تضطر لإخفاء ألمها ورسم الابتسامة على وجهها لتطل على المشاهدين بأفضل صورة، فهذا ما يميز الإعلامي المتمكن المسيطر على مشاعره، أيضًا طبيعة المجال التنافسي فرضت عليها العديد من التحديات وجعلها في كثير من الأحيان تشعر بالإحباط أو فقدان الشغف، ولكنها تعود لتركز على نفسها والإيمان بقدراتها وتستمد طاقة الحب والدعم من الشخصيات الملهمة الداعمة التي تحيط بها وتحفزها باستمرار.

وفي سنة 2022 م أصيبت بوعكة صحية خطيرة أدت إلى دخولها العناية المركزة لفترة مما أدى إلى اعتزالها الشاشة لفترة، ولكن هذه الكبوات لم تزدها إلا صلابة وقدرة على مواجهة المواقف الصعبة والعودة إلى التلفزيون والجماهير بأقوى وأفضل صورة.