علا الفارس
دليل الشخصيات ←

علا الفارس

صوت إعلامي ذو حضور استثنائي، واجه التحولات بثبات وحول المحن إلى محطات جديدة للانطلاق.

النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 175–186

علا تحسين الفارس، إعلامية وصحفية أردنية من أصل فلسطيني وخريجة حقوق، ومن أصغر مذيعات الأخبار في قناة الجزيرة الإخبارية.

شابة ثلاثينية أردنية من أصل فلسطيني، صاحبة شخصية قوية، وكاريزما استثنائية، تمكنت من كسر الصور النمطية لمذيع الأخبار في أهم القنوات الإخبارية العربية، لتطل على الجمهور بروح شبابية وأسلوب جديد شد المتابعين، ابنة سياسي ناجح ومحبوب غادر الحياة في غير أوانه، فحملت مشعله، وسارت على دربه، وورثت عنه رسالته الإنسانية، وروح العطاء، وحب المساعدة، رفضت الرضوخ للمساومة وظلت ثابتة على مبدئها رغم الضغوطات، لم تقدر أقوى العواصف على كسر إرادتها فكانت تنهض بعد كل عثرة وهي أكثر قوة وعزيمة، آمنت بقوة الجذب بالإرادة فكان لها كل ما أرادت، خريجة حقوق، وأصغر مذيعة أخبار بقناة الجزيرة الإخبارية، بدأت مسيرتها المهنية في سن السادسة عشرة فحطمت الأرقام القياسية، وحافظت على لقب أصغر طالبة، فمراسلة، فمذيعة أخبار، وحصدت النجاح لتكون نموذجا للشابة العصامية التي تسير نحو هدفها، وتكسر جميع الحواجز التي تعترضها دون كلل أو ملل، استمتعت بكل عقبة وتلذذت بكل انتصار، طرقت باب الحياة، وأوجدت تحدياتها، وصنعت أسطورتها، وتمردت على التقاليد لأنها آمنت برسالتها، فكانت في كل مرة تصل إلى قمة طموحها تضع نصب عينيها قمة جديدة أعلى وتمكنت من التربع على عرش قلوب المشاهدين، والتأثير في فكر الشباب وتمثيل قدوة حسنة لهم.

طفولة بين الشغف والفقد

نشأت في عائلة أردنية محافظة وهي البنت الوحيدة بين 7 أخوة شباب، جدها هو عبدالرؤوف الفارس – رحمه الله – عضو في البرلمان الأردني الرابع، وممثل الأردن في مجلس الاتحاد العربي، ووالدها تحسين الفارس – رحمه الله – كان نائبا في البرلمان الأردني التاسع، والذي مدد بإرادة ملكية ليكون البرلمان العاشر، توفي وهي في سن الثالثة عشرة وقامت والدتها بتربيتها مع أشقائها الذكور، تخرجت من الثانوية العامة بالسادسة عشرة، لتكون أصغر خريجة من الثانوية، وأصغر طالبة جامعة، والتحقت بكلية الحقوق، وأنهت دراستها الجامعية بعمر التاسعة عشرة من جامعة عمان الأهلية.

حلم الطفولة وألم الفقد

عندما كانت تبلغ من العمر 12 سنة، في كل مرة كان يتم سؤالها حول أحلامها وكانت تجيب بكل براءة أنها تتمنى أن تكون محققة، لتتمكن من إرجاع الحقوق المهضومة لأصحابها، وإنصاف الضعفاء، وتحقيق العدالة والمساواة، لكنها في سن 13 سنة تلقت أول درس لها في الحياة، ففجعت بوفاة والدها، وجربت ألم الفقد، وهو ما شكل صدمة بالنسبة لها نظرًا لتعلقها الشديد به، فقد كان بالنسبة لها القدوة ومصدر الفخر، وكانت تتطلع لتحمل رسالته، وتسير على خطاه، فقد كانت تراه على شاشة التليفزيون أكثر من رؤيتها له داخل المنزل، ما كانت ترافقه في المجالس أو الاجتماعات.

هذه الصدمة شكلت منعرجا في حياتها، لأن فقيدها ترك فراغا كبيرا في حياتها، لا سيما أنها كانت في فترة عمرية حساسة، وفي أشد الحاجة إليه، وشعرت أنه توفي قبل أوانه، وهو ما جعلها تفكر في دخول مجال الإعلام، لتخليد اسمه ومواصلة رسالته، إذ إنه كان يعمل على مساعدة الناس وتحسين حياتهم، وكان لا يتوانى في خدمة كل من يقصده، ووجدت نفسها أمام خيارين في الحياة، إما أن تشق طريقها في مسار مميز ومختلف وتكون مؤثرة، أو أن تكون مثل أي بنت عادية تتخرج وتعمل في وظيفة عادية، واستمرت هذه الفترة الصعبة بين الحنين، والضياع، والتفكير، ورسم الأحلام، ووضع الخيارات لمدة سنة كاملة، فقد كانت أصعب سنوات حياتها.

رثاء فجر الموهبة

لم تتمكن من تجاوز حالة الاكتئاب بعد وفاة والدها، فحبست نفسها في غرفتها، وكانت ترفض التواصل والحديث مع أفراد عائلتها أو أصدقائها، فقد كان مشهد وفاة والدها وجنازته لا يفارق ذاكرتها، خاصة لحظة دفنه حيث كانت حاضرة على هذا المشهد، رغم أنه كان من الممنوع أن تذهب البنات للمقبرة، لكنها تجاوزت التقاليد، ورافقته لمثواه الأخير، وفي خضم تلك الليالي الحالكة، مسكت لأول مرة الورقة والقلم وبدأت في الكتابة، لتخط على الورق كل المشاعر التي تتخبط داخلها، وكل الأفكار التي تجول في خاطرها، فكتبت نصًا رثائيا، وصفت من خلاله جنازة والدها، وعبرت فيه عن مشاعرها وحنينها وكل المشاعر التي تعتريها، بعدها فتحت باب غرفتها وخاطبت أهلها للمرة الأولى بعد وفاة والدها، وقالت لهم أنها كتبت شيئًا تريد أن تسمعهم إياه، فقرأت النص المكتوب باللغة العربية الفصحى على أسماعهم، وعند الانتهاء من قراءة النص رفعت عينيها فوجدت أمها وإخوتها يبكون حيث أثرت كتابتها فيهم، وفي هذه اللحظة اكتشفت الرابط الذي يجمعها بالقلم والموهبة التي تمتلكها، ومنذ ذلك الحين صار القلم والورق رفيقها الذي تبوح له بكل أسرارها وتكشف أمامه كل مشاعرها.

القانون والإعلام في مسار الدراسة

أكملت المرحلة الثانوية في سن صغيرة، حيث لم تكن قد تجاوزت السادسة عشرة من عمرها، وكانت تطمح لدراسة الإعلام، لكن أهلها رفضوا، لأن الجامعة بعيدة عن مقر سكنهم، لا سيما أنها البنت الوحيدة بين سبعة أخوة شباب، ومن عائلة محافظة، وفي مجتمع محافظ، تهيمن عليه ثقافة العيب، وكان مرفوضا أن تظهر البنت على شاشة التلفزيون، لا سيما أن والدها كان شخصية معروفة، وينتمي إلى عائلة مرموقة، وهو ما جعل أحلامها تتلاشى، نظرًا لكون كل الظروف غير مواتية، فقررت في النهاية التخصص في دراسة القانون، لكن شغف الإعلام ظل يطاردها منذ الفصل الأول في الجامعة، واكتشفت أن هناك تشابه كبير بين أهداف الحقوق والصحافة، وأنهما وجهان لعملة واحدة، وأنها يمكن أن تحقق رسالتها من خلال تخصصها، فكلاهما يهدفان لإعلاء صوت الحق وكلاهما سلطة للدفاع عن المظلومين، والمضطهدين، وهو ما جعلها تمضي قدما في دراسة القانون، وفي نفس الوقت لم تتخل عن حلمها في دخول مجال الإعلام، فكانت تقلد المذيعات اللواتي كانت ترى فيهم القدوة، على غرار خديجة بن قنة، وإيمان بنورة، وكانت تكرر دائما أنها ستكون يوما ما شخصا مؤثرا، وستتمكن من مساعدة الناس، وأن تكون صوتهم، ورغم أن معظم المحيطين بها كانوا يرون حلمها خياليا ويحبطونها، إلا أنها تشبثت بحلمها وواصلت السعي لتحقيقه.

الفرصة

في أحد الأيام أحضر لها أحد زملائها في الجامعة، والذي يعلم مدى حبها للإعلام جريدة فيها إعلان لتوظيف مذيعات، وكانت وقتها لم تتجاوز السابعة عشرة سنة، ولم تتخرج في الجامعة بعد، لكنها قررت أن تخوض التجربة، وذهبت للاختبار دون علم أهلها، لكن تم رفضها بسبب عمرها، وهو ما جعلها تقرر أن لا تفصح عن عمرها لكي تتمكن من الخضوع للامتحانات المقبلة، وبالفعل خضعت لامتحان كاميرا، وكتابة، ولغة، وثقافة عامة، ووفقت لتكون أصغر مراسلة لقناة العربية الإخبارية بالعالم العربي، واستمرت كمراسلة إلى أن تخرجت، وفي إحدى المرات بينما كانت في زيارة لدبي سمعت بالصدفة عن اختبارات لمذيعات، فقررت أن تطرق الأبواب وتجرب حظها، وما إن وصلت، طلبت أن تتقدم للاختبار فأعلمها المسؤول أنها صغيرة في السن، وإن حظوظها ضعيفة، لا سيما أن هناك عدد كبير من المترشحات، وعندما عادت إلى المنزل لم تكن تتوقع أن يتم قبولها على عكس أمها التي رافقتها في الاختبار، والتي كانت واثقة من قدرات وموهبة ابنتها، وعند انتهاء الإجازة والعودة إلى عمان كانت في كل مرة تتابع نشرات الأخبار تكرر أنها يوما ما ستكون في هذا المكان، ورغم أن جميع المحيطين بها كانوا يعتبرون أحلامها خيالية إلا أنها كانت تؤمن أنه طالما أن الإنسان يريد شيئًا بقوة، ويسعى له سيحققه الله له، وذلك من منطلق قانون الجذب بالإرادة، وفي النهاية تأكدت أنه لا شيء على هذه الأرض أقوى من إرادة الإنسان، وعزيمته، فطالما الإنسان يمتلك الرغبة والقدرة على تطوير الذات سوف يجد الفرصة عن طريق دق الأبواب، وأصبحت هذه القناعة شعارها في الحياة.

مكالمة غيرت مصيرها

في أحد الأيام بينما كانت في شوارع عمان، تلقت مكالمة من رقم إماراتي، وطلب منها السفر على وجه السرعة لدبي، لتقدم نشرة في اليوم الموالي، وكانت وقتها لا تمتلك أي خبرة، أو تجربة في تقديم النشرة، وكانوا يقومون باختبارات لاختيار مذيعين.

وفي يوم واحد وجدت نفسها أمام العديد من التحديات، وفي حيرة كبيرة كيف ستسافر لوحدها وكيف ستزف هذا الخبر لعائلتها، وكيف ستكون ردة فعلهم، لا سيما أنها يتيمة الأب، وإخوتها، وأقاربها يشاركون في اتخاذ قراراتها، وأن العائلة كانت قد قبلت عملها كمراسلة على مضض بسبب إصرارها، فكيف لهم أن يقبلوا سفرها بمفردها لتعمل كمذيعة.

بداية الرحلة والمغامرة

بعد أخذ ورد وحوار طويل مع العائلة المصغرة والموسعة، تمكنت من إقناعهم بالسفر، نظرًا لأن هذا القرار كان مصيريا بالنسبة لها، حتى أنها اضطرت لتهديد عائلتها بإيذاء نفسها في حال رفضهم، وبالفعل سافرت عندما كانت تبلغ من العمر التاسعة عشرة سنة، وفي اليوم الموالي وقفت للمرة الأولى أمام شاشة يتابعها الملايين، لتقديم نشرة رئيسية لتحل محل مذيعة رئيسية، كانت تمر بظروف خاصة، وبالفعل ودون تجارب أداء ودون تجهيز مسبق، تمكنت من تقديم النشرة بشكل يكاد يكون مثاليا، وهي تعتبره الأداء الأفضل في حياتها، لأنها كانت تحفظ النشرة عن ظهر قلب بسبب قراءتها لها عشرات المرات، وفور انتهاء النشرة ووضع الأوراق على الطاولة، أدركت أنه لا شيء مستحيل في الحياة، لأنها تمكنت من تحقيق شيء رآه كل من حولها مستحيلا، وفي هذه اللحظة كسبت لقبا جديدا في مسيرتها، وهو أصغر مذيعة أخبار وهو ما جعلها فخورة بنفسها، وسعيدة، لا سيما أنها تمكنت من كسر الصورة النمطية لمذيع الأخبار، الذي عادة ما يكون في عمر معين، ولمواصفات محددة، إذ إنها أطلت على الشاشة بأسلوب مختلف شبابي، وهو ما كان سببا في الشعبية الكبيرة التي كسبتها منذ الأسبوع الأول في العمل، لأنها كانت تمشي عكس التيار، حتى أن إدارة القناة لاحظت ارتفاع نسبة المشاهدة على النشرة، فقرروا تثبيتها لتبدأ رحلة جديدة من التحديات في مسيرتها، نظرًا لأنها بدأت العمل براتب ضعيف، لم يكن يكفي لسد احتياجاتها، ولأنها لم تكن تعرف معدل الرواتب آنذاك، فقبلت براتب لم يكن يتناسب مع طبيعة العمل.

الإعلام أمام العواصف

علاوة على التحديات التي واجهتها في الأردن، ورفض العائلة دخولها مجال الإعلام، وسفرها بعد عملية شد وجذب، ومداولات مطولة، ما إن حطت قدميها في مجال الإعلام بدأت تواجه تحديات أكبر، أولها طبيعة المجتمع المنفتح، المختلفة تماما عن مجتمعها المحافظ، ووجدت أن محيطها لا يشبهها، ولم تتمكن من الاندماج فيه بسهولة في الفترة الأولى، رغم احترامها لاختلافه، وهو ما جعل التحديات تكون على أكثر من صعيد سواء الشخصي، أو العاطفي، أو المهني، لكنها وضعت هدفها نصب عينيها وواصلت السير بخطى ثابتة.

حضور يتسع عبر المنصات

بعد فترة قصيرة من عملها كمذيعة نشرة، قدمت برنامج Mbc في أسبوع، وكان فكرةً عرضتها على الإدارة، ونالت إعجابهم، وتم تكليفها بالإعداد، وهي تجربة جديدة ومهمة في حياتها، وأصبحت أصغر معدة برامج في المجموعة، وعندما كانت تبلغ من العمر الرابعة والعشرين سنة تم استدعاؤها من قبل مديرة الموارد البشرية، التي أعطتها كتاب ترقية، وقالت لها إنها يجب أن تكون فخورة بنفسها، لأنها حصلت على لقب جديد تم استحداثه خصيصا لها، ليتلاءم مع طبيعة تقييمها، ولم يحصل عليه أحد من قبل في هذا العمر، وهو لقب محدود بالقناة وكان بالنسبة لها وسام تقدير، يؤكد لها أنها في المسار الصحيح، وبدأت بعدها التكريمات، والجوائز في مجالات مختلفة سواء في الإعلام بمسميات مختلفة، أو كمؤثر، وفي هذه اللحظات أدركت قيمة الكلمة التي تقدر أن تبني أو تهدم الشخص، وكانت تتذكر في كل مناسبة، ومع كل تكريم كلمة قالها لها شخص، بأن في داخل كل واحد منا أسطورة، ابحثي عن أسطورتك وحققيها، وأن معظم الناس الذين لم يتمكنوا من تحقيق أسطورتهم، هم الأشخاص الذين استسلموا أمام أول تحدي، وأنها تمكنت من الوصول إلى ما وصلت إليه، لأنها أصرت وتحدت جميع العراقيل، وآمنت بقدراتها وموهبتها، فكانت في كل مرة تحقق هدفا ترسم لنفسها هدفا جديدا، وتسد أذنيها أمام كلمات الإحباط، وتواصل طريقها رغم كل الظروف التي مرت بها، والتي في الغالب كانت تدفعها للتوقف والاستسلام، أو السير في مسار آخر، فكانت تستمتع بكل عقبة وتتلذذ بكل انتصار، لأنها طرقت باب الحياة، وأوجدت تحدياتها، والتمرد على التقاليد، لأنها آمنت أن ما تقوم به رسالة وأكرمها الله بتفوق وراء الآخر، فكانت في كل مرة تصل إلى قمة طموحها تضع نصب عينيها قمة جديدة أعلى، وتمكنت من التربع على عرش قلوب المشاهدين.

مواقع التواصل الاجتماعي والقدرة على التأثير

مع إنشاء مواقع التواصل الاجتماعي وفي سنة 2011 بالتحديد، أصبحت من أكثر الناشطين والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت أول إعلامية يصل عدد متابعيها على «تويتر» المليون متابع، وعرفت أنها يمكن أن تؤثر بطرق مختلفة، فاقتحمت هذا العالم بشكل أكبر، واستثمرته لمزيد من الاقتراب من المشاهدين، وبنت شخصية مختلفة عن شخصيتها على الشاشة، فكانت أكثر عفوية وتلقائية، وقربا من الناس، وأصبح جمهور مواقع التواصل الاجتماعي، يتابعها على التلفزيون والعكس بالعكس، حتى أنه تم استدعاؤها للمشاركة في العديد من المؤتمرات والندوات، لتشارك في التوعية، وتحفيز الشباب على ملاحقة أحلامهم، وعدم الاستسلام.

نهاية رحلة بسبب تغريدة

«لكل جواد كبوة» وكبوة كانت سنة 2017 حيث خاضت أكبر الاختبارات، وواجهت أصعب التحديات في مسيرتها المهنية، بعد أن نشرت تغريدة عبر حسابها على تويتر، كانت تصف فيها حال العرب بشكل عام، وكتبت أن الرئيس الأمريكي السابق ترامب، لم يعلن من فراغ عن اختيار يوم الأربعاء لإعلان القدس عاصمة إسرائيل، ففوجئت بوابل من الاتهامات والإساءة، وتم شن حرب ضروس ضدها، وتعرضت لحملة تشويه، وظهر العديد من الأعداء الذين حاولوا تدمير مسيرتها في الوقت الذي كانت تحصد فيها ثمار تعب سنوات من الجهد والعطاء الجاد والمتواصل، حتى أن بعض من كانت تظنهم من الأصدقاء تنكروا لها، ولم يقفوا إلى جانبها، وهو ما جعلها تكتشف أن الإنسان يجب أن يكون طبيب نفسه، ويواسي نفسه، ولا ينتظر من يرفعه أو يساعده، كما يمكن أن يكون عدو نفسه، ورغم لحظات الضعف التي عاشتها، إلا أنها كانت في كل مرة تنتفض وتقف وتكون أقوى، وتتذكر كيف أنها بنت نفسها من خلال أوجاعها وآلامها، وأن هذا الوجع يجب أن يتحول إلى إصرار وحب للحياة وعطاء وتشبث بالأمل.

عودة من شفير الهاوية

في هذه الفترة الحالكة من مسيرتها، توقع الكثير نهايتها وانطفاء نجمها بعد أن تم توقيفها عن العمل، كعقاب على التغريدة، واكتشفت أن الرسالة التي لطالما آمنت بها أن الإعلام، هو إيصال صوت الناس، وللتعبير عن الرأي بكل حرية، ما هو إلا شعارات رنانة، لا سيما أن مجال عملها كان بعيدا عن المجال السياسي، حيث كانت تقدم برنامجا اجتماعيا، ساعدت من خلاله العديد من الأشخاص، حيث إن هذا البرنامج يسلط الضوء على العديد من القصص الإنسانية، والذي يساهم البرنامج في تغييرها بفضل مساعدة أهل الخير والأيادي البيضاء، وكانت في كل أسبوع تفكر كيف ستساعد على تغيير حياة شخص إلى الأفضل، وهي تعتبر أن ما قدمته خلال هذا البرنامج كان خير ذخر لها لتجاوز العديد من الأزمات، فرغم الهجوم الحاد الذي تعرضت له خلال هذه الفترة إلا أنها لم تهتز ولم تضعف.

اختبار لشعاراتها: الرحيل أو الرضوخ

كان هذا الاختبار الحقيقي لكل شعاراتها ومبادئها عن الأمل والاستمرار، وطبقت المثل الصيني الذي كانت تؤمن به «أن وراء كل أزمة فرصة» وكانت هذه التجربة محنة، واختبار حقيقي، بكل المقاييس حيث انكشفت لها العديد من الوجوه التي كانت تحسبها من الأصدقاء، ووجدت أنهم كانوا يجرونها إلى الهلاك والهاوية، وأيقنت أنه يجب تغيير المحيط، وآن الأوان؛ فقد حان وقت الرحيل، وكان من أصعب القرارات في حياتها، لأنها كانت شديدة التعلق، بالمحطة، والمكان، لكنها كانت واثقة أن جزء من النجاحات في الحياة لا يتعلق بالمكان بل بالذات، وبقدرتنا على تطوير ذواتنا، ومن هذا المنطلق قررت الاستقالة، ورغم معارضة المحيطين بها، ومحاولة إقناعها بالعزوف عن هذا القرار، نظرًا لتبعات القرار الذي سيؤثر بشكل كبير على مستقبلها ومسيرتها، إلا أنها أصرت على المضي قدما بعد أن شعرت أن المكان لم يعد يشبهها، ولا يناسبها، لأنها لم تخطئ، ولم تقم بشي سوى التعبير عن رأيها، وهو ما تعتبره جزءًا من عملها، ورفضت الاعتذار لأنها ليست مسؤولة عما يفهم الآخرون، وأصرت على موقفها لأنها في حال تنازلت تكون بذلك تخون كل المبادئ التي لطالما نادت بها من دفاع على حرية التعبير.

تغيير المسار وصفحة جديدة

في خضم هذه الحرب والتشنج، سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت في إجازة مدفوعة الراتب، لأن القناة لم تقبل استقالتها رغم أنها قدمتها أكثر من مرة، وفي نفس الوقت كانت تتلقى العديد من العروض، لكنها قررت ألا تتسرع وتأخذ الوقت الكافي لاتخاذ القرارات المناسبة، والتفكير في الخطوات القادمة، ومع العروض الكثيرة التي كانت تتلقاها من العديد من المحطات، قدمت لها المحطة العديد من العروض المغرية التي لم تكن تحلم بها سابقا لإقناعها بالعودة، لكنها رفضت لأنها اعتبرت أن موقف القناة مس من كرامتها، وهو ما جعلها تقرر أن تطوي الصفحة، وتفتح صفحة جديدة وتخوض مغامرة جديدة، ولربما تكون الضارة النافعة لأنها كانت قد وصلت لمرحلة التكرار، والروتين في عملها، وكانت تشعر أن هناك شيء ناقص، وأنها واقفة في مكانها ولا تتطور.

عرض من قناة الجزيرة

في نفس هذه الفترة تلقت عرضا جديدا من قناة الجزيرة الإخبارية، التي كانت قد عرضت عليها الالتحاق بطاقمها منذ أكثر من ثماني سنوات قبل الأزمة، وكانوا على تواصل مستمر معها على مدار السنة التي قضتها في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها كانت متخوفة من الجزيرة نظرًا للمستوى العالي لصحافيي الجزيرة، إضافة إلى كونها متخصصة في المجال الاجتماعي، وبعيدة عن المجال السياسي، وليس لديها الخبرة الكافية لمنافسة القامات في القناة، وكانت في كل مرة تقارن نفسها بمذيعي الجزيرة تشعر أنها لا يمكن أن تتميز وتلمع من بينهم، لكنها غذت نفسها بشحنة من الأمل، وذكرت نفسها بمختلف محطاتها، ومختلف الصعوبات التي تمكنت من تخطيها، وقررت أن تبدأ مشوارا جديدا بروح متجددة، وأن تتعلم وتطور من نفسها، وأن تتجاوز الجرح القديم، وتبني نفسها بطريقة مختلفة، وحزمت أمتعتها وقصدت قطر.

الجزيرة: حلم يتحقق

منذ اليوم الأول لالتحاقها بقناة الجزيرة، بدأت تتعلم، وتحدث معلوماتها، وكأنها تلميذة جديدة، لا سيما أنها تخوض في مجال جديد، في عالم السياسة، وعملت على تثقيف نفسها، وطلعت على الهواء لأول مرة على قناة الجزيرة، وأثبتت وجودها، وكانت تغطيتها الأولى لأحداث قصف بين الكيان الصهيوني وحزب الله، وعند انتهاء التغطية فاجأها زملاؤها بالتصفيق الحار، وهو ما جعلها تبكي، لأنها شعرت بعودة كرامتها، وبالنصر، وبالنجاح، وأن تعبها لم يذهب سدى.

عودة قوية

عودتها بقوة بعد العثرة جعلت الكثير يستغربون، حتى أنهم يتساءلون إن كانت هناك جهات تدعمها وتقف وراءها، لأنها دائما تنهض بسرعة، وتستعيد قوتها، فكانت إجابتها أن وراءها شخص لا يقدر عليه أحد وهو الله- سبحانه وتعالى- وكانت نقطة تحول تعتز بها في حياتها.

بعد أقل من سبعة أشهر على انضمامها للجزيرة، قررت استغلال خبراتها السابقة، وتطويرها، وعرضت على إدارة القناة فكرة برنامج، وقدمت عرضا بوجود جميع المديرين، وقبلوا الفكرة وتطويرها، وبعد أكثر من سنة كلفت بإعداد وتقديم البرنامج، وهي تعمل عليه الآن بكل شغف وحب لأنه تحدٍ جديد بالنسبة لها.

الجوائز

لا تعتبر الجوائز والتكريمات نتيجة نجاح بقدر ما هو حافز على مزيد من العطاء والنجاح، فقد حصلت على العديد من الجوائز، والتكريمات، والألقاب ففي سنة 2017 و 2020 تم اختيارها من بين أقوى 100 شخصية مؤثرة بالعالم العربي، وتم اختيارها بين أكثر من 500 شخصية مسلمة مؤثرة في العالم سنة 2019.